الرئيس إيمانويل ماكرون لــ «الشروق»: سندعّم اقتصاد تونس ونعطي المزيد من الفرص لشبابها

صدر هذا المقال بالنسخة الورقية للشروق
جانفي 2018 31
أجرى الحديث: عبد الحميد الرياحي

نتعاون مع تونس في مكافحة الإرهاب ونشيد بأدائها في هذا المجال
أنسّق مع الرئيس السبسي بشأن حلّ سياسي في ليبيا
نعارض موقف ترومب بشأن القدس ونعمل على تكريس حلّ الدولتين

يؤدي اليوم وغدا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زيارة رسمية الى بلادنا، وقد خصّنا بالمناسبة بحديث خاص تطرّق الى جملة من الملفات المتعلقة بالعلاقات الثنائية وسبل دعمها وتنويعها وبالأزمة الليبية وسبل حلّها الى جانب سياسة فرنسا الإفريقية وسياسات فرنسا على الساحة الدولية.
الحديث تطرّق أيضا الى القضية الفلسطينية وموقف الرئيس الأمريكي بشأن القدس والرؤية الفرنسية لإرساء سلام عادل ودائم يفضي الى تجسيد حل الدولتين وفي ما يلي نصّ الحديث

ماذا تتوقعون من زيارتكم؟ ما هي القضايا ذات الأولوية التي ستناقشونها مع رئيس الجمهورية التونسية؟

من خلال هذه الزيارة، أود بصفة خاصة أن أرسل رسالة إلى السلطات والشعب التونسي. رسالة الصداقة والدعم والثقة في المستقبل.
أشكر رئيس الجمهورية التونسية، الذي كان لي شرف استقباله يوم 11 ديسمبر الماضي، على دعوتي إلى مقابلة التونسيين. لقد أردت أن أخصص في تونس أول زيارة رئيسية أقوم بها للعالم العربي؛ إنها في الواقع زيارتي الرسمية الثانية بعد الزيارة التي أديتها إلى الصين.
إن الصداقة الفرنسية التونسية، مثل دعم فرنسا لتونس، ليست مجرد كلمات. فهي تجد ترجمتها كل يوم في أعمال ملموسة: تلك التي تجعل من فرنسا، إلى حد بعيد، أول شريك اقتصادي وتجاري لتونس، أول بلد يتوجه إليه الطلاب التونسيون، أول بلد من حيث التبادل الثقافي والعلمي، أول شريك سياسي لها. وفي المحافل الدولية التي يزن فيها صوت فرنسا، يمكن أن تعتمد تونس أيضا على دعم فرنسا.
نحن نتقاسم نفس القيم : قيم الديمقراطية واحترام الحريات الفردية. وأنا أعلم أنّ تونس تمر بصعوبات اقتصادية واجتماعية، وأنّ الطريق إلى ديمقراطية ناجحة وعملية قد يبدو طويلا بالنسبة للبعض. لكن الديناميكية قد انطلقت والإرادة موجودة لجعل هذا المسار لا رجعة فيه.
لذلك فإنني أنتظر من هذه الزيارة أن أفهم بشكل أفضل تحديات تونس واحتياجاتها، صديقة فرنسا التي تثق فيها، لدعمها على أفضل وجه ممكن، وسوف نتناول جميع المواضيع ذات الاهتمام المشترك مع الرئيس السبسي ونبرم اتفاقيات من شأنها أن تسمح للعلاقة الفرنسية التونسية بالوصول إلى مستوى جديد. أريد أن أسأهم بشكل ملموس في تعزيز الاقتصاد وتقديم إجابات للشباب: المزيد من الفرص، والمزيد من النشاط.
العلاقات بين فرنسا وتونس، في رأي الكثيرين، مثالية. في الواقع، تتخبط تونس، منذ الثورة، في أزمة اقتصادية عميقة. فرنسا، تحت رئاستكم وبروح الريادة التي تنعتون بها، هل هي مستعدة، يا ترى، لمغادرة القطاعات التقليدية للاستثمار في قطاعات مبتكرة (الطاقات نظيفة، التكنولوجيات الجديدة للمعلومات والاتصالات) ؟

ل يمكن أن تفكر حتى في الخروج من الدوائر التقليدية: هل ستكون خطة مارشال لتونس، بالتعاون مع ألمانيا، ممكنة على سبيل المثال ؟

علاقتنا هي ببساطة استثنائية. ولكن اعتقادي هو أنه لايزال من الممكن تعميق تعاوننا وتحسينه. فعلا، تهدف خرائط الطريق التي تعمل عليها الحكومتان التونسية والفرنسية منذ زيارة الوزير الأول إدوارد فيليب إلى تونس في أكتوبر الماضي إلى توجيه التعاون الثنائي بشكل أفضل حول مبدأين أساسيين: البناء المشترك والإنصاف. سيصادق الرئيس السبسي وأنا أيضا على خرائط الطريق هذه.
الفكرة تتمثل فعلا في الخروج عن المألوف، من خلال بذل جهد إضافي على الأقل في ثلاثة مجالات : الحد من أوجه عدم المساواة، الاجتماعية والإقليمية؛ وإمكانية تشغيل الشباب، من دعم تكوينهم إلى مساندة مشاريعهم المهنية؛ وزيادة الاستثمار في القطاعات المستقبلية، بما في ذلك، كما ذكرتم، الطاقة المتجددة والتكنولوجيات الجديدة. وستشهد الإعلانات التي ستتم ظهر اليوم على هذه الحالة الجديدة.
ستحافظ فرنسا على التزامها بـ 1.2 مليار يورو على مدى 5 سنوات. وهناك شركاء آخرون ملتزمون جدا. فعلى سبيل المثال، يخصص الاتحاد الأوروبي 300 مليون يورو سنويا في شكل تبرعات لبرامج دعم تونس. أريد أن أرافق تونس في مشاريع ملموسة، مع الشركات، وخاصة من خلال المزيد من الإنتاج المشترك.
وعلى الدولة التونسية أيضا القيام بإصلاحات لكي تصبح تونس وجهة أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية.
المشاريع الكبرى التي تقوم بها الحكومة التونسية، والتي تعرف أكثر من أي طرف آخر المحددات الرئيسية للاقتصاد التونسي، تبعث اشارات ايجابية : في مجال مكافحة الفساد والتهريب، وتنظيم الاستثمار، وفتح والاقتصاد، وإعادة توازن المالية العامة. هذه هي الأولويات التي حددتها أيضا لفرنسا

على الرغم من مبادرات السلام والأمن في ليبيا، لا يزال الوضع في ليبيا مقلقا. فرنسا التي، حسب العديد من الخبراء، لعبت دورا رئيسيا في سقوط نظام القذافي وفيما بعد، هل هي مستعدة لتصحيح الوضع للسماح لليبيا باستعادة استقرارها والمشاركة في إعادة إعمارها؟

إن تحقيق الاستقرار في ليبيا هو أولوية بالنسبة لفرنسا، وكذلك بالنسبة لتونس، لأسباب سياسية وأمنية على حد السواء. إن فرنسا تدرك إدراكا تاما الأخطار التي يشكلها الوضع في ليبيا على الأمن والنمو الاقتصادي في تونس.
من شأن تحقيق استقرار دائم في هذا البلد المجاور أن يكون مصدر راحة لتونس وللمنطقة بأسرها. لقد اتخذت فرنسا مبادرات، بحيث جمعت في سال سان كلو في جويلية الماضي بين طرفين ليبيين حول إعلان مشترك. أرحب بالمبادرات الدبلوماسية التي اتخذتها السلطات التونسية لصالح المصالحة بين الليبيين. إنني على اتصال وثيق بالرئيس السبسي حول هذا الموضوع، وتعمل سفاراتنا الدبلوماسية معا في هذا المجال.
ونحن نتفق في كل الجوانب: الحل في ليبيا لا يمكن أن يكون إلا سياسيا. إنه طموح الوساطة التي يقودها تحت رعاية الأمم المتحدة السيد غسان سلامه، الممثل الخاص للأمين العام، والتي نؤيدها تأييدا تاما.
وقد التزمت فرنسا باستمرار بإنهاء حالة عدم الاستقرار والاتجار التي تزدهر في ليبيا وستواصل القيام بذلك. الأولوية اليوم هي إعداد المؤتمر الوطني وانتخابات ذات مصداقية لليبيين لبناء دولة ديمقراطية.
بعد سحق داعش، من المرجح، بالرغم من ذلك، أن يبعث الإرهاب من جديد. من هنا جاءت الحاجة إلى بذل المزيد من الجهد للحد من التهديد الذي يمس في نفس الوقت بلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط بما فيها تونس ودول الساحل والدول الشمالية. ماذا يمكن أن تفعله فرنسا لمساعدة تونس بشكل كبير للتغلب على هذه الآفة؟ وبشكل عام، في أفريقيا، حيث قمتم بعدة زيارات، ما هي نظرتكم لتحديات القارة، تلك التي تغذي التطرف العنيف والإرهاب، مثل الفقر والجهل والبطالة؟

كيف يمكن أن تساعد فرنسا القارة الإفريقية؟

أشارك تماما قلقكم. نحن بصدد كسب المعركة ضد الهيكل العسكري لداعش في بلاد الشام، ولكن داعش، وأيضا تنظيم القاعدة أو بوكو حرام، لم يختف. تبقى مكافحة الإرهاب الشاغل الأمني الرئيسي لفرنسا وكذلك أوروبا. وأول ما يجب القيام به لمكافحة هذه الآفة هو منعها من أن تشكل ملاذا يمكن أن تزدهر منه : هذا صحيح في مناطق الأزمات، وفي مجتمعاتنا، وكذلك على شبكة الانترنات. هذا هو معنى السياسات التي تشجعها فرنسا لتسوية الصراعات الجارية ـ من سوريا إلى ليبياـ، لمنع المجندين الذين يدّعون الإسلام المضلل من نشر رسائلهم، لحمل شركات الإنترنات الكبرى لإزالة المحتويات ذات الطابع الإرهابي في أقل من ساعة، أو لتعزيز قوات أمن شركائها كما نفعل مع قوات مجموعة الدول الخمس في الساحل. مع تونس، نقوم بأعمال ملموسة في مجال الدفاع، مع تدريبات تسمح بكسب المزيد من الكفاءة. وتعمل جيوشنا أيضا معا لتحقيق الكفاءة في هذه المعركة المشتركة. وفي هذا الصدد، أشيد بالعمل الهام الذي تضطلع به تونس في مكافحة الإرهاب بفعالية. يجب أن نواصل معا هذا العمل.
مع أفريقيا على نطاق أوسع، أتيحت لي الفرصة لأقوله في واغادوغو، فرنسا تريد بناء مستقبل وصداقة مشتركة. إن التحديات والفرص الهائلة التي تتوفر للشباب الأفريقي لا تنحصر، لحسن الحظ، في الصعوبات التي ذكرتموها. لكن من الواضح أنه لن يكون هناك نجاح دائم ضد الإرهاب إذا لم تقترن استراتيجيتنا المشتركة بتسوية الصراعات السياسية، وبتجديد المساعدة الإنمائية – وهذا هو الحال خاصة مع التحالف من أجل الساحل ـ وبتشجيع الاستثمارات الدولية، وبتعزيز مكانة المرأة، أو بتنمية وتحسين التعليم، ولا سيما من خلال تنقل الطلاب. وفي كل هذه المسائل، تقف فرنسا إلى جانب إفريقيا.

في العديد من القضايا الدولية، لا سيما في الشرق الأوسط، تختلف باريس عن المقاربات الأمريكية. هل ترغبون في تغيير مكانة فرنسا على الساحة الدولية؟ بشكل أعم، كيف ترون مستقبل أوروبا الـ28 في بناء دولي تميز بتراجع القوة العظمى الأمريكية وتأكيد وجود الصين والهند؟

إن ما يواجه سياستي الدولية هو الاستقلال. إنه مبدأ أساسي بالنسبة لي. إن فرنسا لا ترغب في أن تكون تابعة لأي شخص وهي تريد أن تكون قادرة بحرية على القيام بخياراتها وتحاليلها. هذا لا يعني أنها تقف ضد هذه الدولة أو تلك. بل بالعكس تماما، فرنسا تريد أن تكون قوة تتحاور مع الجميع وتؤسس التفاوض والحوار كمنهج عام. لا يمكن أن يتحقق السلام إلا بالحوار، وأنا مقتنع بذلك.
لكن فرنسا ليست قوة معزولة. فهي جزء من مجموعة أوروبية يجب أن ترفع طموحاتها. أريد من أوروبا أن تفرض نفسها في العالم، بدل من أن تكون منطوية على نفسها ومهووسة باختلافاتها الداخلية الصغيرة. كيف يمكن الاعتقاد بأن تحديات عالم اليوم يمكن معالجتها من قبل الدول الأوروبية بصفة منفردة : الهجرة والتنمية والأمن وتغير المناخ والتحول الرقمي. بدون غطرسة ولكن بثقة، يجب على أوروبا أن تدافع عن رؤيتها للعالم، وعن نموذجها الذي هو ليس نموذج القوى الأخرى. يجب أن تدافع عن التعددية، والمعاملة بالمثل في التجارة، والتحول في مجال الطاقة، ومكافحة عدم المساواة. هذا التوازن بين الحرية والمساواة والوحدة والتنوع، الثمين جدا، هو الحمض النووي لأوروبا ; فالانطواء أدى دائما إلى خسارتها. لهذا السبب أدافع عن أوروبا ذات سيادة، موحدة وديمقراطية.

عارضت فرنسا القرار الأمريكي بشأن وضع القدس. هل يمكننا أن نتصور مبادرة فرنسية ترمي إلى إعادة إطلاق عملية السلام وتحقيق حل الدولتين المنصوص عليه في قرارات الأمم المتحدة؟

أنتم تعرفون موقفي من القرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة الولايات المتحدة إليها. ليس من خلال قرارات أحادية الجانب نجد حلا للصراع. ننتظر اليوم، خطة السلام التي أعلنها الرئيس ترامب. سوف نقيمها بمقياس مطابقتها للقانون الدولي من ناحية، وبمقياس ما هو مقبول للإسرائيليين والفلسطينيين من ناحية أخرى. ولكننا لسنا في موقف انتظار فحسب. نحن نعمل، ميدانيا وسياسيا، على المحافظة على العملية السياسية وحل الدولتين، من خلال التحدث إلى الجميع. هذه هي الطريقة الفرنسية، وهي الطريقة الوحيدة التي تستطيع أن تأخذ في الاعتبار تطلعات الطرفين، إسرائيل وفلسطين، وتسمح بسلام عادل ودائم. وهذا السلام، كما قلت من قبل، لن يمر إلا من خلال حل الدولتين، تعيشان في سلام وأمن داخل حدود آمنة ومعترف بها، مع القدس عاصمة لهما. تضطلع فرنسا بدورها في الجهود الضرورية لإحياء عملية السلام. سنترقب ونقيم الوقت المناسب للتحرك، ليس استجابة لخيارات خارجية، ولكن مع مراعاة الديناميكية على الأرض وباتصال مع شركائنا.

في ما يتعلق بالأزمة السورية، هل أنّ حلا سياسيا من شأنه الحفاظ على وحدة سوريا الإقليمية ما زال ممكنا في المستقبل القريب؟ على أي أساس؟

هدفنا، منذ اندلاع الأزمة السورية، هو التوصل إلى حل يستجيب لتطلعات الشعب السوري ويحافظ على وحدة أراضيه.
كل جهودنا، العسكرية والدبلوماسية، تذهب في هذا الاتجاه. أولا، يجب أن نهزم داعش في الشمال الشرقي وفي معاقله الأخيرة. ونحن على وشك تحقيق هذا النصر بفضل عمل التحالف. في نفس الوقت، علينا أن نستمر في مساعدة السكان المدنيين الذين تضرروا من قنابل النظام ومؤيديه في الغوطة الشرقية وإدلب على وجه الخصوص. ونحن نحمل هذا الشرط في كل مكان، سواء في الأمم المتحدة، على الأرض، أو لدى راعيي النظام للضغط على دمشق.
ومع ذلك، فإن مفتاح استعادة وحدة سوريا، هو انتقال سياسي حقيقي يتم التفاوض حوله تحت وساطة الأمم المتحدة. بدون ذلك، ستظل البلاد مجزأة بشكل دائم ولن تكون هناك مصالحة وطنية ممكنة. للتذكير، فإنّ نظام دمشق لا يسيطر إلا على نصف سوريا، وفقط بفضل دعم الميليشيات الأجنبية وروسيا. وهذا هو كنه العمل الدبلوماسي لفرنسا التي تعمل من أجل جمع الفاعلين الرئيسيين في الملف السوري في مجموعة اتصال يمكن أن تحدد وسيلة دائمة للخروج من الأزمة دعما للوساطة التي تقودها الأمم المتحدة.

Dernière modification : 09/02/2018

Haut de page